تحريم زراعة الأعضاء مطلقا.. استخدام عضو من أعضاء الإنسان الميت في جسم إنسان آخر يستلزم استخدام شيء نجس بصورة دائمة



في الحقيقة أثار موضوع زراعة الأعضاء في بداية الأمر لغطاً ومشاكل كثيرة ، وبين أخذٍ ورد ، وتحريم وتحليل ، وكُلُّ إن شاء الله مأجور لاجتهاده ، وظهرت تصانيف عديدة في هذه القضايا ، ومن التصانيف التي حرَّمت زراعة الأعضاء بل وحتى تشريح الميت لأي سبب كان ، كتاب للشيخ السنبهلي وللسقاف وغيرهم، إنما نختار هذين المؤلفين لنقل بعض من آرائهما في هذا الموضوع ، يقول السنبهلي (ويمكن أن يؤخذ من هذه النصوص الشرعية (وكان قد أورد كلاماً للشيخ الكاند هلوي وحديث حرمة كسر عظم الميت ككسر عظم الحي) وأقوال العلماء أيضاً حكم "التشريح" في الشريعة الإسلامية بأنه حرام، فإنه بهذه الدلائل يظهر لنا استعمال أعضاء الإنسان سواء كان حياً أو ميتاً ، بحيث يُفصل العضو من البدن ويزرع في جسد إنسان آخر (أي الترقيع) غير جائز ، ولو أذن له صاحب العضو، لأن صاحبه لا يملكه والمالك هو الله ، كذلك يعلم أن لا يجوز تشريح جثة الإنسان الميت لأن فيه هتكاً لحرمته ، والله أعلم.
كذلك يسوق رأياً للكاتب الإسلامي أبو الأعلى المودودي، فيقول (المودودي): "إن التبرع بالعين لن يقف عند مجرد التبرع بالعين، بل يمكن أن تثبت أعضاء الإنسان الأخرى مجدية لغيره من الإنسان، وتظهر لها استخدامات ومنافع أخرى، فإذا فتح هذا الباب فإن المسلم توزع أعضاء جسده كلياً كتبرع ولا يبقى منه شيء يدفن في القبر. إن الإسلام يرى أن الإنسان لا يملك جسمه، فلا يحق أن يوصي بتقسيم جسمه أو التبرع به..إلخ"، ويتابع صاحب الكتاب فيقول: "وعلاوة على ذلك فإن استخدام عضو من أعضاء الإنسان الميت في جسم إنسان آخر يستلزم استخدام شيء نجس بصورة دائمة، لأن العضو المقطوع ميت ونجس بموجب الحديث النبوي الشريف "ما أُبين عن الحي فهو ميت" رواه الإمام أحمد والترمذي وأبو داود، فتنشأ بذلك مسائل صحة الصلاة وعدم صحتها".
أما الأخ السقاف فقد ردَّ في كتابه على كلام الشيخ مصطفى الزرقا بعد مقابلته له وغيره ممن يجيزون هذه المسائل ، وجاء المؤلف في رده بآيات وأحاديث نبوية شريفة أهمها: (آية ـ ولآمرنهم فليغيرن خلق الله) وحديث (لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله تعالى) . وجاء بكلام للإمام النووي في تحريم الوصل ولعن الواصلة والمستوصلة مطلقاً ، وكذلك كلاماً للإمام القرطبي ينقله عن أبي جعفر الطبري بعدم تفليج الأسنان أو وشرها أو إزالة سن زائدة ، وكلاماً للقاضي عياض في عدم جواز قطع أو نزع إصبع زائدة إلا أن تكون هذه الزوائد تؤلمه،  ثم أورد أحاديث الرسول (ص) في تحريم الانتحار (من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم، ومن تحسى سماً فقتل نفسه..إلخ الحديث) وحديث (كل سُلامي من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس) ، وقد أباح الكاتب استعمال الأعضاء الاصطناعية لحديث عرفجة بن أسعد الصحابي (السابق ذكره) ، كمثل السن والأنف والأنملة (من الذهب أو الفضة) وأعضاء غير نجسة كرجل ويد ، وكذلك حديث الصحابية الجليلة التي آثرت الصبر على مرض الصرع وطلبت من رسول الله (ص) أن يدعو لها بأن لا تنكشف فقط ولها الجنة لقاء صبرها . ونقل المؤلف السقاف جواز نقل الدم من أحاديث الحجامة وبأن الدم ليس بعضو وهو كالدمع، ثم أورد ردَّه على الدكتور وهبة الزحيلي لأنه أجاز زرع الأعضاء، وغير ذلك من النقاط(9).
وأرى أن الأخوة جزاهم الله خيراً، استرسلوا في حشد أدلة غير مناسبة لتحريم زرع الأعضاء ، ولو أن الأخوة تابعوا الإحصاءات اليومية والسنوية للحوادث المختلفة والأمراض الحادة والمزمنة وآثار الحروب والأمراض المهنية والتشوهات الخلقية التي يموت من جرائها عشرات ملايين الناس سنوياً في مختلف أنحاء العالم وأضعاف هذا الرقم يُعانون من آلامهم وحالتهم الصحية المزرية والتي تدعو للشفقة والرحمة وتدعو إلى إيجاد الحلول المناسبة لهذه الأمراض والآلام والإعاقات، وإنهاء معاناة هؤلاء الناس واجب شرعي وطبي ، يُملي على الأطباء والباحثين إيجاد الحلول اللازمة والسريعة لكل ما هو مُنَغص لحياة هؤلاء البشر ومنهم كثير من المسلمين وغير المسلمين.
وقد أمرنا رسول الله (ص) بالتداوي، وزراعة الأعضاء للمتابع أن يرى بأنها لا تُجرى اعتباطاً وبطراً وسُمعة، وإنما هي بقصد مداواة الناس وإيجاد حلاً لمشاكلهم الصحية والجسدية والنفسية والاجتماعية وحتى الاقتصادية والشرعية ، وللمهتم أن يراجع قرارات المجمع الفقهي الإسلامي والندوات الفقهية الطبية وقرارات ومؤتمرات المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية وقرارات الأزهر الشريف وقرارات المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي والسادة المفتين في مختلف الدول العربية والإسلامية والعلماء والأطباء المسلمين الثقة العدول، ليرى عدد السنين والبحوث (بالألوف) المعروضة على تلك الهيئات العلمية الإسلامية، وطبيعة متخذي هذه القرارات من علماء أجلاء أفاضل لهم في العلم الشرعي باع طويل وكذلك الأطباء الاستشاريون في هذه المُجمعات الإسلامية وما هم عليه من درجة العلم الشرعي والطبي والوعي بمشاكل وقضايا الأمة الإسلامية، وتؤخذ هذه القرارات عادة بالإجماع ويوقع عليها كل هؤلاء العلماء الثقات والأطباء العدول وما يدفعهم لذلك إلا روح الشريعة الإسلامية الغراء وحرصهم على مجتمعاتهم الإسلامية في كل أنحاء العالم من الوقوع في الحرام أو في الرذيلة أو اختلاط الأنساب أو المعاناة والقنوط من رحمة الله سبحانه وتعالى أو استغلالهم مادياً أو جسدياً ، وحرصهم على قيام مجتمع إسلامي صالح صحيح الجسم والعقل، قوي البنية، وعلى إبانة طبيعة وحقيقة الشرع الإسلامي  الحنيف الواعي العلمي الرحيم الصالح لكل زمان ومكان وإنسان ، النازل من الله عز وجل رحمة للعالمين وللإنسانية جمعاء ، وليعلم الأخوة المانعين بأن عدد من يضطر إلى زراعة الكلى لوحدها في الولايات المتحدة الأمريكية هو (70) في كل مليون أمريكي سنوياً، وهذا في أمريكا حيث طرق العلاج متقدمة ومتطورة ومراكز البحوث وأنواع الأدوية وقوة فعاليتها في الشفاء, ولا يُلجأ إلى الزرع إلا في النهاية وبعد استنفاذ كل طرق المعالجة الأخرى، يعني في العام الواحد في أمريكا تجرى زراعة الكلى لأكثر من (15000) مواطن سنوياً، ولو قسنا هذه النسبة الضئيلة بالنسبة لعدد المحتاجين في البلدان الإسلامية (حتماً الرقم أكثر من 70 في المليون) لوجدنا بأن مليار مسلم يحتاج منهم حوالي (70000) سنوياً لزراعة الكلى، والله أعلم بالنسبة لبقية الأعضاء الحيوية والهامة والتي يتوقف على أغلب أنواعها حياة الإنسان المسلم، مثل القلب والكلى والشرايين والكبد والرئتين والبنكرياس وحتى الجلد والعظام، وفيها من المصالح الطبية والاقتصادية والعسكرية والعلمية والاجتماعية ما فيها، ورحم الله الطبيب المسلم ابن النفيس (حيث كان حافظاً لكتاب الله عز وجل شديد الورع فقيهاً ، حيث باشر بالتعلم والتعليم بتشريح الجثث، ثم توقف عنها آخر عمره لشدة ورعه، ولأنه لم يرّ هناك ضرورة لتشريح عدد أكبر وأكثر من الجثث فقد اكتفى علمياً، واستطاع أن يكتشف الدورة الدموية الصغرى بجسم الإنسان والحيوان وسبق بها العالم (هرفي) بمئتي عام).
هذا من أبواب التداوي والعلاج التي دعا إليها الشارع الحكيم، والتي أمرنا بالسعي لمعرفتها وتعلمها وتطبيقها عند الحاجة إليها لأنه لم يُنَّزل داء إلا وأنزل الدواء معه، والثابت لدى العلماء والأطباء الثقات وكذلك الواقع بأن هذا هو الدواء، بالزراعة، نعم بزراعة الأعضاء في بعض الحالات وطالما هذا العلاج مبذول وآمن فوجب على المسلم الأخذ به حتى يتداوى ويصح ويقوى ويسعد، ولولا ذاك لرأيت سنوياً ملايين المسلمين المعاقين والمقعدين يزدادون ويصبحون عالة على أهلهم وعلى أوطانهم.
أما فريق المبيحين لزراعة الأعضاء من العلماء فهم الغالبية العظمى وأصبح هناك شبه إجماع في هذا الموضوع ، ولقد كتب في ذلك مبكراً الشيخ إبراهيم اليعقوبي رحمه الله.