رأي ليزا برافر موس في الختان.. الختان عمليّة مؤلمة للطفل وتشويه لعضو سليم خلقه الله وعادة روتينيّة وليست روحيّة وإجراء يستغلّ الأهل فيه ضعف الطفل



رأي ليزا برافر موس:
شرحت هذه السيّدة اليهوديّة الأمريكيّة في مقالين الأسباب الدينيّة التي من أجلها ترفض الختان نختصرها في النقاط الآتية:

- الختان عمليّة مؤلمة للطفل: لقد كان يُظن سابقاً أن الطفل لا يحس بالألم كالكبار.
ولكن هذا ليس صحيحاً.
فالأكاديميّة الأمريكيّة لطب الأطفال قالت في تقريرها لعام 1987 إن الأطفال يحسّون بالألم تماماً كالكبار ويتألّمون على المدى القصير والبعيد من الآثار السلبيّة للختان.
ورغم ذلك ما زال البعض يقول بأن الطفل لا يتألّم مبرهنين على ذلك بأن الطفل لا يبكي خلال عمليّة الختان.
والحقيقة أن الأطفال في هذه الحالة هم في وضع صدمة عصبيّة بسبب الألم الشديد.
والبعض يقول إن الألم لا يدوم أكثر من دقيقة وإن الخمر الذي يعطى لهم بعد الختان يهدئهم.
ولكن هذا المنطق لا يقبل به الكبار إذا ما خلع لهم سن.
وهذا مخالف للشريعة اليهوديّة التي تمنع إيذاء حي. وتمنع الشريعة أن تحرث على حيوان صغير وحيوان كبير لأن في ذلك ضيق لهما.
وهذا إشارة إلى الآية: «لا تحرث على ثور وحمار معاً» (تثنية 10:22).

- الختان تشويه لعضو سليم خلقه الله:
وهذا مخالف للشريعة اليهوديّة التي تمنع تخديش الجسم وعمل وشم عليه (الأحبار 28:19).
- للختان مخاطر ويمكن أن يؤدّي للموت.
ففي عام 1982 توفّى ما لا يقل عن 225 طفلاً بسبب الختان.
وعامّة يتم السكوت عن المضاعفات الناتجة عن ختان الأطفال.
ولكن هناك من يقدّرها بين 1250 و12.500 حالة سنويّة من جرّاء الختان الجراحي.
أمّا مخاطر الختان الذي يجريه الموهيلون، فليس هناك أي إحصاء لها.
وهذا مخالف للشريعة اليهوديّة التي تقدّس الحياة وتعتبرها أهم من أي شيء آخر.
ولذلك ترفض كل عمليّة جراحيّة تعرّض الإنسان لخطر الموت.
ولا يمكن القبول بالرأي القائل أن مثل هذه المخاطر والمضاعفات ناتجة عن عدم خبرة الموهيلين.

- الختان عادة روتينيّة وليست روحيّة: هناك قواعد شرعيّة تطلب تبدية الأفعال على الإيمان، ولكن هناك أيضاً قواعد تطلب تنفيذ الأوامر الدينيّة من كل القلب.
فإذا لم تكن هناك نيّة دينيّة وراء الختان، فما الفرق بينه وبين الوثنيّة العمياء؟ لقد أصبح الختان محل عبادة وغاية بحد ذاته بدلاً من عبادة الله.
وهكذا يكون الختان الروتيني مخالف للشريعة اليهوديّة. وتتكلّم المؤلّفة عن ختان طفليها فتقول إن القصد من الختان كان تفادي المشاكل مع زوجها ومع محيطها اليهودي ورغبة في أن يكون الطفل مشابها لأبيه ولغيره.
ولكنّها في صميم نفسها لم تكن مقتنعة بما تعمل، ولم تتمكّن من مناقشة شكوكها مع غيرها من اليهود.
وهكذا أدّى طقس ديني يُقصد منه الاتحاد مع الشعب اليهودي إلى شعورها بالضياع.
فقرارها لم يكن له أي أساس ديني، فهو ليس إدخال في عهد مع الله. لا بل العكس: فالختان لا يعبّر عن روحانيتها.
وتذكر قولاً لخاتن يهودي بأن أقل من 10% من الأهل الذين يطلبون خدماته يختنون لأسباب دينيّة.

- الختان إجراء يستغلّ الأهل فيه ضعف الطفل: وهذا مخالف للشريعة اليهوديّة التي تطلب حماية الضعيف وتطالب أن تعامل الغير كما تريد أن يعاملك الغير.
- الختان يجري على أطفال قُصّر لا يُعَبِّرون عن إرادتهم. هناك من يقول إن إرادة الأب تحل محل إرادة الطفل.
ولكن هل العهد الذي يفرض بالقوّة هو عهد شرعي؟
لقد رفض بعض الحاخامات تخدير الطفل خلال الختان لأن ذلك يجعل منه حجراً جامداً، ولا يمكن أن نقيم عهداً مع حجر.
وهناك من يرفض عمل ختان لطفل نائم لنفس السبب.

- الختان يتم على أطفال في سن مبكّرة معتبرين بأن الأطفال لا يتألّمون في هذا العمر أو هم أقل تألّماً من الكبار، ولأن تعلّق الأهل بهم أقل من تعلّقهم بالأكبر سنّاً حسب قول ابن ميمون.
ولكن هذا مخالف للشريعة اليهوديّة التي تطلب أن تعامل الغريب بمحبّة وتمنع ظلمه في 36 آية من التوراة.
فرفض ختان الأطفال في سن متأخّرة بينما نقبل ختانهم في سن مبكّرة مخالف لمبادئ الشريعة اليهوديّة.

- رغم أن الختان يخالف عدداً من المبادئ اليهوديّة الثابتة، فإن الختان ما زال يعتبر أساساً للعهد بين الله وشعبه وشعاراً للشخصيّة اليهوديّة.
ولكن قرار عدم الختان هو قرار يتّفق مع المبادئ اليهوديّة.
وكل سنة هناك ثلاثة آلاف اتصال هاتفي من قِبَل أهالي يهود مع حاخاماتهم بخصوص المشكلة التي تطرح لهم بالختان طالبين إجراء بديل للختان وأن لا يتم العهد بين الله وشعبه من خلال تفسير حرفي للتوراة.
وهم بذلك يعبِّرون عن تفكيرهم اليهودي. وهناك عدد آخر من اليهود الذين يقرّرون عدم الختان دون الاتصال بالحاخامات.
وبعض الحاخامات بدأوا بعمل مراسيم دينيّة رمزية توازي الختان للبنات ولكن دون الإفصاح عن هويّتهم.
وهناك يهود يوزّعون دعاية للختان الرمزي ويُقدّمون العون للعائلات التي تختار مثل هذا الختان الرمزي. والمؤلّفة ترى أن الختان الرمزي يمكن أن يكون له أثر ديني أكثر من الختان الحرفي لأنه يعني أن الأهل لا يمارسون هذا الطقس بصورة روتينيّة وانهم يتعهّدون بتربية أطفالهم تربية دينيّة يهوديّة.
ويبقى السؤال: هل نُعرِّض الطفل لنبذ اليهود له؟ والجواب هو أن يترك للطفل أخذ القرار بختان نفسه عندما يكبر إذا شاء ذلك.

- هناك من يقول بأنه لا يحق طرح موضوع الختان في وقت يزداد فيه الزواج المختلط والاندماج، لأن في ذلك إغراق لليهوديّة.
وتجيب المؤلّفة بأن اعتبار الختان موضوعاً لا نقاش فيه يجعلنا نفقد مناسبة جلب اليهود للاهتمام بديانتهم.
وهكذا فإننا نجعل من الختان محل تعبّد بدلاً من أن نعبد الله ونترك اليهود يجدون حلاً لمشكلتهم من خارج ديانتهم.
إن إنكار وجود مشكلة في الختان لا يعني أن المشكلة غير موجودة.
وتقول المؤلّفة بأنها توصّلت إلى هذا الموقف الرافض للختان بسبب شعورها بالذنب بعد ختانها لولديها.
وقد كانت في بداية أمرها شديدة الهجوم ضد الختان حتّى تجعل الناس يفكّرون.
ولكن ذلك أدّى إلى إغضابهم.
ففسَّرت غضبهم بأنه تعبير عن عدم عقلانيتهم. ثم تحوّلت إلى أسلوب كلامي تعبّر فيه عن شعورها دون إغضابهم.
فأخذت في التفكير ضمن الفكر اليهودي لتجد وسيلة للإقناع من خلال دراستها للشريعة اليهوديّة.
فكان هناك حوار بينها وبين رجال الدين وبين الأهل الذين كانت تجتمع بهم وتسألهم عن رأيهم في مقالاتها.
وقد ساعدها هذا في تثبيت معتقدها الديني وارتباطها بالشريعة والطائفة اليهوديّة. فبدأت تدرس العبريّة والطقوس اليهوديّة وتداوم على العبادات.
وأصبحت تعطي لمعتقدها وتراثها اليهوديّ أهمّية أكثر ممّا كانت عليه الأمر عند بداية هجومها ضد الختان.
وترى الكاتبة بأن ممارسي المهن الطبّية يجب أن لا يناقشوا موضوع الختان مع اليهود إلاّ إذا كانوا هم أنفسهم يهوداً أو أن يكونوا مطّلعين تماماً على الدراسات اليهوديّة.
فيكاد يكون من غير الممكن من الخارج تفهّم تعقيد الموضوع والضغوطات التي يتعرّض لها الأهل في موضوع الختان، حتّى وإن كان اليهود غير مواظبين على العبادات الدينيّة.
وفي بعض الأوقات يجب عدم الإباحة بكل ما يشعر به الإنسان، احتراما لليهوديّة.
صحيح أن الأهل اليهود يريدون معلومات طبّية عن الختان، ويجب أن يعطي ممارسو المهن الصحّية مثل تلك المعلومات لهم.
كما يجب عليهم أن يبيّنوا أن الختان مغلوط طبّياً إذا اقتنعوا بذلك، ولكن دون الخوض في النقاش الديني حول الختان إلاّ إذا كان ممارسو المهن الطبّية يهوداً ذوي اهتمام باليهوديّة.
فهذا النقاش نقاش يهودي. فيجب إيجاد الحل للختان الديني من داخل الفكر الديني.
ولكن ما العمل إذا ما أراد الأهل إجراء الختان لأسباب دينيّة؟ تقول المؤلّفة بأنه يجب عدم التدخّل في هذا القرار إلاّ إذا كان الموضوع يخص معرفة إذا ما كان يجب عمل الختان في اليوم الثامن أو كعمليّة طبّية في المستشفى.
وفي هذه الحالة يجب عرض عمل الختان في اليوم الثامن لأن غير ذلك ليس معترف به في اليهوديّة كختان. والختان الديني له أكثر معنى من الختان الطبّي.
وتضيف الكاتبة بأنه يجب أخذ أكبر قدر ممكن من الحيطة في مناقشة الختان الديني مع اليهود.
فيجب الإشارة عليهم في حال اهتمامهم في الموضوع بأن يتكلّموا مع رجل دين يهودي.
وهكذا يتم نقل تساؤلهم إليهم. ولكن للأسف فإن رجال الدين اليهود كثيراً ما يردّون عليهم بالأسلوب التقليدي.
وهي ترى بأن رجال الدين يجب عليهم أن لا يتغاضوا عن تساؤل الأهل حول الختان ويجب إيجاد أسلوب لدخول العهد دون ختان.
وهناك أهل يهود يريدون أن يجدوا جواباً حول الختان فقط في المجال الطبّي دون مناقشة للمحتوى الديني كأن الشريعة اليهوديّة لا يمكنها الرد على تساؤلهم.
ولكن هذه ليست صورة صحيحة لليهوديّة الحاليّة.
فجمال اليهوديّة يكمن في إمكانيّة تفهّمها التغييرات.
فاليهوديّة عضو حي يمكن أن يتغيّر.
وتذكر الكاتبة في هذا المجال نصّاً من كتاب صلاة يهوديّة حول موضوع الشك يقول:
«أعِز الشكوك لأن الشك هو خادم الحقيقة وهو مفتاح باب المعرفة وخادم الاكتشاف.
فالإيمان الذي لا يمكن أن يناقش يقودنا إلى الخطأ، لأن هناك نقص وعيب في كل إيمان.
والشك هو محك الحقيقة.
وهو كالحامض يأكل كل ما هو غلط. لا تخف من أن يقتل الشك الحقيقة، فالشك هو امتحان للإيمان.
والحقيقة إن كانت حقيقة فإنها تقوى أمام كل امتحان. وكل من يريدون أن يسكتوا الشك هم أشخاص مليئين بالخوف.
فبيت روحهم مبني على رمال متحرّكة.
والذين لا يخافون الشك بيتهم مبني على الصخر وسوف يسيرون في ضوء المعرفة المتنامية. وسوف تدوم أعمال أيديهم.
لذلك دعونا لا نخاف من الشك بل لنفرح بمساعدته. فالشك كعصا للأعمى. وهو خادم الحقيقة».
وتنهي المؤلّفة مقالها بأنها ترغب أن ترى الأهل اليهود يتساءلون حول الختان بصورة علنيّة من داخل الطائفة اليهوديّة حتّى يتمكّنوا من اختيار الختان التقليدي أو الختان الرمزي لدخول العهد.
وهذا لن يأتي إلاّ من داخل الطائفة اليهوديّة عندما يصبح اهتمام اليهود حول الختان اهتماما يهوديّاً.
ويجب تشجيع مشاركة اليهود الذين يلجؤون للمهن الطبّية في هذا النقاش، إن كانوا مؤيدين أو شاكّين أو رافضين للختان. فاليهوديّة في حاجة لصوتهم.