ختان الذكور في الشرق الأوسط قديماً.. إجباري على الفتى وشرط للاعتراف ببلوغه من الهيئة الاجتماعية. من شروط الكهنوت عند المصريّين القدامى



يرى السكّري أن الختان بدأ مع آدم:
«قال بعض المؤرّخين إن أوّل من فعله آدم عليه السلام عقب معصيته بأكله من الشجرة التي نهاه الله عن الأكل منها أوّل الأمر وبعد أن تاب الله عليه.
ومنذ هذا الوقت تسلّلت سُنّة الختان من جيل إلى جيل ولعّل أولاده تركوا هذه السُنّة من بعده حتّى أمر الله تعالى بها إبراهيم عليه السلام بإحيائها لما فيها من النظافة والطهارة ولأنها من شعار الإسلام».
ويضيف السكّري:
«نحن لا نستبعد أن يكون الختان بدأ مع بداية آدم عليه السلام لا بوصفه أباً للبشريّة وإنّما بوصفه نبياً مرسلاً.
ذلك أن الختان من الفطرة، وهي السُنّة القديمة التي اتفقت عليها جميع الشرائع وهي سُنّة الأنبياء التي جُبلوا عليها».
والسكّري وغيره من المؤلّفين المسلمين  يعتمدون على رواية إنجيل برنابا الذي سننقلها كاملة في القسم الإسلامي.
ولكن هناك أيضاً روايات يهوديّة وإسلاميّة تقول بأن آدم ولد مختوناً كرامة من الله كغيره من الأنبياء كما سنرى لاحقاً.
والكلام عن ختان آدم ينبع من اعتقاد ديني لا يمكن التحقّق منه تاريخياً لعدم وجود نص أو نقش من ذلك التاريخ نرجع إليه.
وهذه الرواية تناقض التوراة وحديثاً منسوباً للنبي محمّد اللذين يعتبران أن أوّل من اختتن هو إبراهيم.
وهذه الرواية الأخيرة تناقضها روايات إسلاميّة أخرى تقول بأن إبراهيم قد ولد مختوناً.
وإذا ما تركنا روايات اليهود والمسلمين جانباً، نرى أن هناك شواهد على أن الختان قد مُورس في مصر قَبل التاريخ المفترض لوجود إبراهيم.
فهناك مسلّة من القرن الثالث والعشرين قَبل المسيح كتب عليها أحد موظّفي الملك أنه ختن ضمن 120 رجل.
وفي القرن العشرين قَبل المسيح ذكر الملك سينوسيرت الأوّل أن الإله الشمس قد عينه سيّد البشر عندما كان طفلاً لم يفقد غلفته بعد.
وتقريباً في القرن التاسع عشر يقول الحاكم خنوبهوتيم الثاني أن أباه كان قد عُيّن حاكماً قبل أن يختن.
وهناك بعض النقوش والصور التي تبيّن إجراء عمليّة الختان منذ زمن قديم في مصر.
ففي إحدى صور من قبر يرجع للسلالة السادسة (2350-2000 ق.م) نرى شابّاً يختن.
وفي منظر في هيكل الكرنك يرجع إلى القرن الخامس عشر قَبل المسيح نرى صبيين ما بين السادسة والثامنة وهما يختنان.
ففي نقش نرى شخصاً واقفاً وقد جلس على الأرض أمامه الجرّاح ممسكاً بيده اليمنى آلة مستطيلة في وضع عمودي على العضو وفي اتجاه طوله.
ونلاحظ أنه لا تبدوا على أسارير وجه المختتن ما ينم عن تألّمه.
أمّا الجزء الأيسر فيظهر فيه الجرّاح ممسكاً بآلة أو بشيء آخر بيضوي الشكل (قد يكون صوّاناً) يلمس به العضو التناسلي الذي يسنده بيده اليسرى.
وفي هذا الجزء تدل ملامح المريض على شعوره بالألم.
ونلاحظ كذلك وجود مساعد الجرّاح خلف المريض وقد امسك بذراعيه على ارتفاع وجهه في عنف ونقرأ قول الطبيب: «امسكه كيلا يقع»، والإجابة: «سأفعل وفق إشارتك».
وفي معبد الكرنك بالأقصر نقشاً لعمليّة ختان يظهر فيه الجرّاح وهو يضع الآلة القاطعة بيده اليمنى على عضو الذكورة في مستوى الكمرة، بعد ربط العضو برباط دائري على قاعدته، ويفتح فتحة الغلفة بأصابع يده اليسرى.
ويبدو أنه يفعل هذا حتّى يتجنّب جرح العضو عند القطع. ولكن الآلة القاطعة في هذا النقش تختلف في شكلها عن النقش الأوّل، فهي هنا أشبه بمشرط أو سكّين مكشوط الحد.
وقد حفظ لنا متحف الآثار المصريّة بالقاهرة عدداً من التماثيل الحجريّة والخشبيّة لرجال عراة مختونين يرجع زمنهم إلى عصر الدولة القديمة.
فالختان كان يمارس في مصر، إمّا بقطع كامل للغلفة أو بشق الغلفة على شكل V لإظهار الحشفة.
وقد أوضح الكشف عن المومياء أن الختان بشكليه كان يمارس ولكن ليس بصورة عامّة على الجميع.
وهناك مسلّة تخلّد انتصار الملك النوبي «بيي» عام 728 ق.م على تحالف من أمراء الدلتا وارتقائه عرش مصر.
كُتب على هذه المسلّة أن حكاماً ذهبوا إلى الملك ليعربوا عن ولائهم له ولكنّهم لم يدخلوا القصر لأنهم كانوا غير مختونين وأكلة سمك، عدا «نمرود» لأنه كان طاهراً ولا يأكل السمك.
وكان للقصر في ذاك الزمن صبغة دينيّة إذ إن الملك يمثّل الآلهة على الأرض.
وقد كُتب على هيكل الإلهة إيزيس في جزيرة «فيلي» تعليمات تحرِّم دخول الهيكل على غير المختون ومن يأكل السمك.
وقد يكون لذِكر السمك مع الختان في هاتين الكتابتين صلة بأسطورة «إيزيس» و«أوزيريس» كما يرويها المؤلّف اليوناني «بليتارك» (توفّى حوالي عام 125).
تقول الأسطورة أن الإلهة «إيزيس» حاولت أن تجمع جسم الإله «أوزيريس» الذي قطعه «سيث» ولكنّها لم تجد قضيبه الذي ابتلعته ثلاث سمكات تمثّل قوى الشر.
وقد زار هيرودوت (توفّى عام 424 ق.م)، المعروف بأبي التاريخ، منطقة الشرق الأوسط وسجّل في كتابه إشارة إلى عادة الختان في مصر.
فهو يقول: «بينما كل شعوب الأرض تُبقي على الأعضاء التناسليّة كما هي، فإن المصريّين ومن تعلّم منهم يمارسون عادة الختان».
ويضيف «بأنهم يمارسون الختان حفظاً للنظافة، لأن النظافة عندهم أولى من الجمال».
ثم يشرح كيف أنهم كانوا مثابرين على النظافة. فهم يشربون بأكواب من النحاس يغسلونها جميعهم كل يوم ويلبسون ثياباً من الكتّان نظيفة.
والكهنة منهم كانوا يحلقون أجسادهم كل يومين حتّى لا يبقى عليهم قمل أو نجاسات أخرى.
ثم ذكر هيرودوت في مكان آخر أن عادة الختان تمارس لدى شعب يعيش في منطقة شرق البحر الأسود جنوب القوقاز يشبه شعرهم شعر المصريّين ولهم عادات تشبه عادات المصريّين قد يكونون مستعمرة أقامها فرعون مصري يسمّى سيزوسترس (سنوسرت).
ثم يقول إن عادة الختان قديمة جدّاً عند المصريّين والأثيوبيين لدرجة عدم تمكّنه معرفة من أخذ عن الآخر عادة الختان.
ولكنّه يُرجِّح أن يكون الأثيوبيون قد أخذوها عن المصريّين.
وعندما يتكلّم سترابون، عالم الجغرافيا والمؤرّخ اليوناني الذي زار مصر بين 25-23 ق.م، عن الختان في مصر، يربط بين هذه العادة عند المصرين والعادة عند اليهود، وهو يُرجع اليهود إلى أصل مصري.
فهو يقول: «هناك عادة يلاحظها الإنسان في دهشة بين المصريّين، ذلك أنهم يُربّون باهتمام كل طفل يولد لهم وانهم يختنون الأولاد ويخفضون البنات، كما هي العادة أيضاً بين اليهود، الذين هم من أصل مصري».
ويؤكّد المؤلّف اليهودي «فيلون» (توفّى عام 54) أن المصريّين كانوا يمارسون الختان.
فيختنون كل من الذكر والأنثى عندما يبلغون سن الرابعة عشر، أي عندما يبدأ «الخطيب» بالإمناء و«الخطيبة» بالعادة الشهريّة.
وهنا نرى ارتباط الختان بالزواج.
وقد أصدر الإمبراطور الروماني «هادريان» (توفّى عام 138) قانوناً يمنع الختان ولكنّه استثنى من المنع كهنة الديانة الفرعونيّة، ممّا يدل على أن الختان كان من شروط الكهنوت عند المصريّين القدامى.
فكان الشاب الذي يرغب في بلوغ درجة الكهنوت يحصل على ترخيص من السلطات بختن نفسه بعد أن يثبت أنه ابن كاهن وأهل للكهنوت.
وبعد استعراض الكتابات والنقوش المصريّة القديمة، يخلص كتاب عن الطفل المصري القديم إلى ما يلي:
«إن الدلائل تثبت انتشار الختان في العهود القديمة.
وإنه كان إجباريّاً على الفتى وشرطاً للاعتراف ببلوغه من الهيئة الاجتماعية.
ويقوّي هذا الاستنتاج تصوير عضو الذكورة الهيروغليفي مختوناً.
ثم أصبح الختان اختياريا في العصور التالية، إلاّ لفئات معيّنة يتحتّم فيها الختان مثل الفتيان الذي يلتحقون بالخدمة الكهنوتية.
وقد يكون الختان من الأمور الإجباريّة أيضاً في الدولة الوسطى لكل من يلتحق بوظيفة حكوميّة.
والحقيقة أن معظم الرجال الذين دلّت تماثيلهم أو نصوصهم على ختانهم كانوا من الطبقات الرفيعة في المجتمع.
ومع ذلك فقد ثبت أن فرعوناً أو اثنين لم يختتنا».
هذا ويزعم رجال الدين اليهود أن يوسف هو الذي أدخل الختان إلى مصر.
ففي رواية لهم أنه بعد أن أقام فرعون يوسف على مصر وخزن القمح لسني المجاعة، بدأ المصريّون يأتون يوسف ليطلبوا منه خبزاً.
فكان جوابه: أنا لا أعطي خبزاً لغير المختونين. اذهبوا واختنوا أنفسكم وارجعوا لي. فتذمّر المصريّون واشتكوا إلى فرعون.
إلاّ أن فرعون أرجعهم إلى يوسف قائلاً: اعملوا كما يأمركم.
بالإضافة إلى مصر، هناك شواهد على ممارسة الختان في مناطق أخرى من الشرق الأوسط.
فقد وُجد في سوريا ثلاثة تماثيل معدنيّة صغيرة لرجال عراة ترجع إلى القرن الثامن والعشرين قَبل المسيح.
ويظهر على اثنين منهم انهما ختنا ختاناً كاملاً، والثالث ختن ختاناً جزئيّاً.
ويذكر هيرودوت أن الفينيقيّين والفلسطينيين قد أخذوا عادة الختان عن المصريّين وأن الفينيقيّين قد ألغوا عادة الختان منذ أن تاجروا مع الإغريقيّين.
وتعتبر التوراة العرب شعباً غير مختون. وكذلك الأمر بخصوص الفلسطينيين.
ويذكر المؤرّخ اليهودي «يوسيفوس» (توفّى قرابة عام 100) أن العرب كانوا يختنون أطفالهم عندما يبلغون سن الثالثة عشر لأن إسماعيل خُتن في هذا العمر، بينما اليهود يختنون في اليوم الثامن لأن إسحاق ختن في اليوم الثامن.
ولكنّه يضيف أن اليهود كانوا السكّان الوحيدين الذين يمارسون الختان في فلسطين.